منتديات السفينة

الحروب الصليبية... الانطلاقة

اذهب الى الأسفل

الحروب الصليبية... الانطلاقة

مُساهمة من طرف السفينة في الإثنين يوليو 28, 2008 2:43 am






الانطلاقة

الحروب الصليبية... الانطلاقة

ألقى البابا أوربان الثاني خطبة مثيرة في مدينة كليرمونت الفرنسية في (26 من ذي القعدة 488هـ= 27 من نوفمبر 1095م)، دعا فيها إلى القيام بحملة إلى الشرق والاستيلاء على بيت المقدس من المسلمين، ووعد المتطوعين في الحملة بحياة أفضل في الدنيا، وبغفران الذنوب إن ماتوا في ساحة القتال.

فاستجاب لهذه الدعوة جحافل من العامة والفلاحين والرعاع وقطاع الطرق واللصوص، وهي تمني نفسها بالحياة الناعمة والخير الوفير، متأثرة بالدعاة الذين جابوا أوروبا لإثارة حماس الناس، وحميتهم الدينية، وكان "بطرس الناسك" و"والتر المفلس" من أبرز هؤلاء الدعاة، وعرفت هذه الحملة في التاريخ بحملة الرعاع، وارتكبت أثناء سيرها كل الموبقات من سلب ونهب وقتل واعتداء على الأعراض، حتى وصلت إلى أبواب القسطنطينية، فسارع الإمبراطور البيزنطي إلى نقلهم عبر مضيق البوسفور إلى آسيا الصغرى، وتخلص من شرورهم، وقابل السلاجقة هذه الجحافل وأوقعوا بهم هزيمة قاسية.

الحملة الصليبية الأولى

وبعد الفشل الذي مُنيت به الحملات الشعبية الصليبية، بدأت التحضيرات للقيام بحملات صليبية منظمة يقودها الفرسان والأمراء، ومزوَّدة بالمؤن والسلاح والعتاد، وتألفت الحملة الصليبية الأولى من أربع جماعات، واحدة منها بقيادة "جودفري دي بويون"، والثانية بقيادة "بوهيموند" النورماندي، والثالثة بقيادة "ريموند دي تولوز"، والرابعة بقيادة "روبرت" النورماندي.

ولما بلغت القوات الصليبية القسطنطينية، التقى قادتها بالإمبراطور البيزنطي وأقسموا له يمين الولاء وإعلان التبعية، وتم الاتفاق على أمرين:

1ـ أن يزوِّدهم الإمبراطور بالمؤن والذخائر.

2ـ تسليمه الأراضي التي يحتلونها، ولكن هؤلاء أخلّوا بالتزاماتهم، ولم يفوا بتعهداتهم.

سقوط نيقية

بقيت القوات الصليبية مرابطة في العاصمة البيزنطية لمدة أسبوعين، ولم تلبث أن عبرت هذه القوات إلى آسيا الصغرى، حيث التحقت بهم بقايا الرعاع التي قادها بطرس الناسك، فاجتمع لهم عدد ضخم من الجند، وتوجه الجميع إلى مدينة نيقية، حاضرة الأمير السلجوقي "قلج أرسلان"، وضربوا حولها حصارًا شديدًا، فصمدت المدينة عشرين يومًا، في غياب قائدها عنها الذي كان يخوض صراعاً حاداً ضد الدانشمديين، في الوقت الذي كان عليه أن يجعل الدفاع عن هذه المدينة في سلَّم أولوياته، وأخيراً سقطت المدينة في (3 رجب 490هـ= 26 من يونيو 1097م)، وكان هذا أول انتصار للصليبيين في حملتهم الأولى.

حقق الصليبيون بهذا النصر مكاسب هامة، وساهم في ازدياد حماس الصليبيين، ورفع من معنوياتهم، خاصة وأنه تزامن مع نصر آخر حققوه على السلاجقة في (ضورليوم)، وجعل أبواب آسيا الصغرى مشرعة أمام الجيوش الصليبية الغازية التي تابعت زحفها على بقية المدن والمواقع، حتى تمكنوا من إخضاع كل الأراضي التابعة للسلاجقة في آسيا الصغرى لسلطة الصليبيين.

الزحف إلى الشام

تابع الصليبيون زحفهم إلى بلاد الشام، التي كانت تعاني من التشرذم والانقسام وتعصف الخلافات بين أمرائها، ما جعلهم عاجزين عن المواجهة، وفي الطريق إلى أنطاكية، انفصل "بلدوين" أخو "جودفري" بقواته عن الجيش الصليـبي في (ربيع الآخر 491هـ= مارس 1098م)، واتجه إلى الرها التي كانت خاضعة آنذاك للأرمن، واستولى عليها، وأسس منها أول إمارة صليبية في الشرق، وبقي بلدوين في الرها، ولم يلتحق بالجيش الصليـبي الزاحف إلى القدس، مكتفياً بما حققه من انتصارات.

أما الجيش الآخر، فقد تابع زحفه إلى أنطاكية، وفرض على المدينة حصاراً في (12 من ذي القعدة 490هـ= 21 من أكتوبر 1097م)، فتصدى له الأنطاكيون بزعامة ياغيسيان، ودافعوا عنها دفاعاً مستميتاً. وعلى الرغم من المناشدة التي أطلقها ياغسيان للحكام المسلمين لمساعدته في الدفاع عنها، وخاصة من قبل حاكمي دمشق(دقاق) وحلب(رضوان) السلجوقيين وغيرهما من أمراء المناطق، فإن هذه النجدات لم تجدِ نفعاً، بل ربما ساهمت في إحباط نفسيات المدافعين عنها، وذلك لسيادة روح الشك وعدم الطمأنينة بين هؤلاء الحكام، ما جعل الصليبيين يستفردون بأهالي أنطاكية، بعد وصول الإمدادات والمساعدات، وأحكموا عليها الحصار الذي استمر تسعة أشهر، وانتهى أخيراً بسقوطها في رجب 491هـ= يونيو 1098م بأيدي بوهيموند، وتأسيس الإمارة الصليبية الثانية في الشرق، وذلك بعد أن ارتكب الصليبيون مجزرة مروِّعة ذهب ضحيتها أكثر من عشرة آلاف.

على أبواب مدينة بيت المقدس

شكَّل سقوط أنطاكية نقلة نوعية في الصراع الدائر بين الصليبيين والمسلمين، وعزز من بوادر الأمل لديهم بالاستيلاء على بيت المقدس، وشد من عزيمتهم، فاستولوا على معظم المدن والقرى في الطريق إليها، وارتكبوا فيها مجازر وحشية، لأن هذه المواقع كانت تبدي مقاومة عنيفة للغزاة، ولكن هذا لم يمنع بعض الحكام المسلمين من الدخول في طاعة الصليبيين، مؤثرين السلامة، بل نزل بعضهم على شروط الصليبيين بتقديم العون والمساعدة لهم، وتوالى سقوط المدن الساحلية وغيرها في أيدي الصليبيين، حتى بلغوا أسوار بيت المقدس في (15 من رجب 492هـ= 7 من يونيو 1099م)، ومن المفيد الإشارة إلى أن بعض المدن قد صمدت لفترة طويلة في وجه الصليبيين، ولم يستطع هؤلاء إسقاطها، كطرابلس وصور، حتى بعد سقوط القدس، وذلك بالرغم من الإمكانيات المتواضعة التي كانت بين يدي حكام وأهالي هاتين المدينتين.

كانت بيت المقدس في ذلك الوقت خاضعة للدولة الفاطمية، وكان عليها "افتخار الدولة" مع حامية المدينة، فاتخذ مجموعة من الخطوات لتعزيز صمودها في وجه الصليبيين، فسمم الآبار وقطع موارد المياه، وطرد جميع من في المدينة من المسيحيين لشعوره بخطورة وجودهم أثناء الهجوم الصليـبي، وتعاطفهم معهم، وقوَّى استحكامات المدينة.

كانت قوات الصليبيين التي تحاصر المدينة المقدسة تقدر بأربعين ألفًا، وظلت ما يقرب نحو خمسة أيام قبل أن تشن هجومها المرتقب على أسوار المدينة الحصينة، وكان الجند في غاية الشوق والحماسة لإسقاط المدينة، فشنوا هجومًا كاسحًا في يوم الإثنين الموافق (20 رجب 492هـ= 12 من يونيو 1099م) انهارت على أثره التحصينات الخارجية لأسوار المدينة الشمالية، لكنَّ ثبات رجال الحامية الفاطمية وشجاعتهم أفشل الهجوم الضاري، وقتل الحماس المشتعل في نفوس الصليبيين، فتراجعت القوات الصليبية بعد ساعات من القتال.

كان موقف الصليبين سيئاً، إذ كانوا يعانون العطش وقلة المؤن، ولكن وصول سفن حربية من جنوه إلى يافا قدمت المساعدة للصليبيين بالمؤن والإمدادات والأسلحة والمواد اللازمة لصناعة آلات وأبراج الحصار، رفعت من معنويات الصليبيين، وقوت عزائمهم وثبتت قلوبهم، وطمعوا في النصر، هذا في الوقت الذي كانت تغيب فيه عن ساحة الدعم أي إمكانية لتقديم مساعدة من جانب الحكام المسلمين، الذين تركوا المدينة تواجه مع تلك الحامية الصغيرة قدرها المحتوم، وإن أرسلت بعض الإمدادات والقوات، فإنها وصلت بعد فوات الأوان وسقوط المدينة.

اقتحام المدينة

تأهَّب الصليبيون لمهاجمةَّ أسوار المدينة بعد أن نجحوا في صناعة أبراج خشبية ومعها آلات دك الأسوار، وعجّل من الإسراع بالهجوم ما وصل إلى الصليبيين من أن الوزير الفاطمي الأفضل الجمالي في طريقه من مصر على رأس جيش ضخم لإنقاذ مدينة بيت المقدس.

اختار الصليبيون أضعف الأماكن دفاعًا عن المدينة لمهاجمتها بأبراجهم الجديدة، ولم يكن هناك أضعف من الجزء الشرقي المحصور بين جبل صهيون إلى القطاع الشرقي من السور الشمالي، وكان منخفضًا يسهل ارتقاؤه، وحرك الصليبيون أبراجهم إلى السور الشمالي للمدينة.

وفي مساء الأربعاء الموافق (21 من شعبان 492 هـ= 13 من يوليو 1099م) شن الصليبيون هجوما حاسماً، ونجح "افتخار الدولة" في حرق البرج الذي اقترب من السور الواقع عند باب صهيون، ولم يملك الصليبيون إزاء هذا الدفاع المستميت والخسائر التي منيوا بها سوى الانسحاب بعد يوم من القتال الشديد.

لكن هذا الفشل لم يثن الصليبيين عن محاولات اقتحام المدينة، والاستيلاء عليها مهما كان الثمن، فشنوا هجومًا ضاريًا فجر يوم الجمعة الموافق (23 من شعبان 492هـ= 15 من يوليو 1099م)، واستمر القتال متكافئاً حتى تمكن البرج المتبقي لهم من الالتصاق بالسور، وإنزال الجسر المتحرك الذي يصل بين قمة البرج وأعلى السور، فعبر خلاله الجنود واستولوا على جزء من السور الشمالي للمدينة، ونجح عدد كبير من المهاجمين في الاندفاع إلى داخلها، وولت الحامية الفاطمية الأدبار نحو الحرم الشريف، حيث توجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى، واحتموا بهما، وبذلك سقطت المدينة في أيدي الصليبيين بعد حصار دام أكثر من أربعين يوماً.

جرائم الصليبيين في بيت المقدس

وبعد أن دخل الصليبيون المدينة المقدسة، تملَّكهم روح البطش والرغبة في سفك دماء العزَّل الأبرياء، فانطلقوا في شوارع المدينة وإلى المنازل والمساجد يذبحون كل من صادفهم من الرجال والنساء والأطفال، واستمر ذلك طيلة اليوم الذي دخلوا فيه المدينة. وفي صباح اليوم التالي، استكمل الصليبيون مذابحهم، فقتلوا المسلمين الذين احتموا بحرم المسجد الأقصى، وكان أحد قادة الحملة قد أمَّنهم على حياتهم، فلم يراعوا عهده معهم، فذبحوهم وكانوا سبعين ألفًا، منهم جماعة كبيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبَّادهم وزهّادهم ممن فارقوا أوطانهم وأقاموا في هذا الموضع الشريف.

ويعترف مؤرخو الحملات الصليبية ببشاعة السلوك البربري الذي أقدم عليه الصليبيون، فذكر مؤرخ صليـبي ممن شهد هذه المذابح وهو "ريموند أوف أجيل"، أنه عندما توجه لزيارة ساحة المعبد غداة تلك المذبحة، لم يستطع أن يشق طريقه وسط أشلاء القتلى إلا بصعوبة بالغة، وأن دماء القتلى بلغت ركبتيه، وإلى مثل هذا القول أشار "وليم الصوري"، وهو الآخر من مؤرخي الحروب الصليبية.

وكتبوا إلى البابا يفتخرون بما فعلوا دون وازع من خلق أو رادع من دين، فما لامهم ولا استنكر فعلتهم! ودمروا ما شاء لهم أن يدمروا ، ونهبوا الكثير، كما نهبوا بعض المعادن النفيسة التي كانت على المقدسات، ولا سيما قبة الصخرة.

في غضون ذلك، وصلت سفارة مصرية إلى بيت المقدس، وطلبت من الصليبيين الرحيل من البلاد، وتقدم "الوزير الأفضل" نحو فلسطين، فوصل عسقلان في 4 آب، وخرج "جودفري " بجيشه من بيت المقدس لمواجهة جيوش المصريين في 9 آب 1099، واحتشد الجيش الصليـبي في سهل المجدل (شمالي عسقلان)، حيث كان يعسكر الوزير الأفضل الذي فوجىء بتلك الجموع وولى الأدبار إلى مصر بحراً، وبذلك أصبح احتلال الصليبيين لبيت المقدس مؤكداً، وما لبث أن استولوا على الجليل وطبريا وحيفا وقيسارية وغيرها.

وعلى أثر ذلك، أصبح "جودفري دي بويون " هو الحاكم الذي منح لقب المدافع عن كنيسة القيامة، وراحوا يتطلعون إلى المزيد من الصليبيين الجدد من أوروبا، وأقاموا بطريركية رومانية، وصبغوا البلد بالصبغة الكاثوليكية.

وفي 11 تشرين الثاني عام 1100 م أصبح "بلدوين الأول " على رأس مملكة الصليبيين في بيت المقدس ، وقد استمرت هذه المملكة 87 سنة، ولم يسمح للمسلمين ولا غيرهم بالإقامة داخل المدينة، وبدأوا العمل من أجل التخلص من الثقافة العربية في المنطقة وجعلها لاتينية، وساد نظام الإقطاع في الإدارة الذي كان سائداً في أوروبا، فكانت الأرض كلها ملكاً للفرسان.


--------------------------------------------------------------------------------

المصادر والمراجع

ابن كثير: البداية والنهاية، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر، القاهرة، (1419هـ= 1998م).

ابن الأثير: الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، (1386هـ= 1966م).

سعيد عبد الفتاح عاشور: الحركة الصليبية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة،1982م.

فايد حماد محمد عاشور: جهاد المسلمين في الحروب الصليبية، مؤسسة الرسالة ، بيروت، (1405هـ= 1985م).

صلاح الدين محمد نوار: العدوان الصليـبي على العالم الإسلامي، دار الدعوة، الإسكندرية، 1993م
avatar
السفينة
مشرف عام لي منتديات السفينة
مشرف عام لي منتديات السفينة

عدد الرسائل : 732
العمر : 33
الجزائر : الجزائر
نقاط : 15
تاريخ التسجيل : 22/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://safina.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى